رسالة إلى المربين.. احذروا الإعجاب بالنفس
[21:26مكة المكرمة ] [24/06/2007]
![]()
بقلم: محمد عبده
من أهم عوامل تحطيم الصف والفرد على حدٍّ سواء المبالغة في المدح والثناء على الآخرين في وجوههم، والمبالغة في تضخيم أعمالهم من باب التشجيع والتحفيز، وكذلك إسناد المسئوليات لمن ظهرت عليه أعراض حب الظهور والتعالي على الآخرين والإعجاب بالنفس، والاعتداد بالرأي، حتى تضخم ذاته وتكبر لديه لدرجة يُستحال معها التوجيه، ويتخذ من نفسه صنمًا كبيرًا يُعبد من دون الله.
ونقصد في كلامنا المدح والثناء (غير المنضبطين) أو (المبالغ فيهما)- حيث إننا لا نُنكر أبدًا فوائد التشجيع والمدح المتوازنين، يقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (الجاثية: من الآية 23) فالاعتداد بالرأي والتمسك به، وعدم الانصياع والرضا بالرأي الآخر مرض خطير قد يُصيب العاملين في حقل العمل الإسلامي، سببه المباشر الكبر كما يقول صلى الله عليه وسلم: "الكبر بطر الحق وغمط الناس".
ونعني بذلك عدم الاحتواء التربوي لأصحاب الاحتياجات الخاصة، ومنهم المعتد برأيه، المُعجب بنفسه، المتعالي على الآخرين، المحب للظهور والشهرة، فيترك دونما مراعاة تربوية، أو توجيهات إيمانية خاصة، فيكون الانحراف والضياع للفرد والقلاقل والاضطرابات للدعوة.
فلقد حدث وسمعنا عن أشخاصٍ خرجوا عن أطر الحركة الإسلامية المعاصرة ولم يسمعوا لإخوانهم؛ لأنهم لم ينفذوا لهم أمرًا، أو يسيروا وفق توجيهاتهم وتعليماتهم، أو لأنهم اختلفوا معهم على أمرٍ هو في الأساس أمرًا خلافيًّا، ويتسع المجال فيه لأكثر من رأي.
فيا ترى ما الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذا الخلل، والتي تجعل الفرد أي فرد يضحي بالعمل الجماعي مؤثرًا العمل الفردي في سبيل تمسكٍ مذمومٍ بالرأي حتى وإن كان هو أصوب الآراء ما دام أن المجال يتسع للرأي الآخر.
كيف تبدأ المشكلة؟
تبدأ المشكلة بالمدح والثناء (المبالغ فيهما) على الآخرين، فالعمل للإسلام من الأعمال العلنية والتي فيها يحتك العاملون بالآخرين.
فبالأعمال والأنشطة الدعوية العامة والخاصة تظهر المواهب وتُكتشف القدرات وتتباين مظاهر الإبداع، وكلما كانت الأعمال كثيرة والأنشطة مختلفة والاحتكاك بالآخرين مُتعدد يتعرض المُبدعون والموهوبون وأصحاب الكفاءات الخاصة للمدح والثناء من الآخرين فيجد الشيطان لدى الممدوح طريقًا يتسلل من خلاله إلى قلبه، فتبدأ النفس بالتحدث عن ذاتها، وتلتفت إلى إمكاناتها، وتترقب آراء الآخرين وانتظار الثناء منهم فيتعرض العمل للمحق، وصاحب الموهبة والإبداع إلى الاغترار بالنفس وتظهر عليه علامات التعالي على الآخرين، ويحدث التمرد والخروج عن الصف.
والحركة الإسلامية إن لم تنتبه لمثل هذه العلل وتوليها جزءًا كبيرًا من اهتمامها وعنايتها سيحدث ما نسمع به بين الحين والآخر من أمورٍ لا تسرنا نتيجة تمكُّن تلك العلل من البعض والذي يطلب الانصياع التام لأوامره وتوجيهاته وآرائه، وإلا فالقطيعة والانزواء هو الحل الأمثل، وحينها ينسى المسكين أنه أضرَّ بنفسه قبل أن يضر بغيره، فلقد فارق الجماعة وتُرك لنفسه بلا ناصحٍ أو مُعين، ولو أنه تمهَّل وتريث لوجد أن الشورى أولى بالاتباع، وما ضره في أن يأخذوا برأيه أم لا، ولو أنه فكَّر وقارن بين عدم الأخذ برأيه (خاصةً إذا كان أمرًا خلافيًّا) وبين القطيعة بالتأكيد لو كان هناك إخلاص لله وتواضع للآخرين وعدم الإعجاب بالذات والنفس لاختار الأولى وبقي وسط إخوانه يفيدهم ويستفيد منهم.
أين الخلل؟
إن التهاون في معالجة أصحاب تلك العلل لهو من أهم الأسباب التي تُفضي في النهاية إلى مثل هذه الأحداث، ولو تم التعامل معه بحزم وحسم لكان ذلك في صالح الفرد والجماعة، والواقع يؤيد ما نقول.
فالعُجب بالنفس مرض خطير يُفضي إلى الكبر والذي بدوره يُفضي إلى طلب الزعامة والرياسة وحب الظهور.. والعُجب بالنفس والكِبر مرضان خطيران يُصيبان القلب ويسيطران عليه ويتحكمان فيه ويتولد عنهما الكثير من الأمراض، ويكفيه خطورة أن مَن اتصف بهما لا يدخل الجنة "لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" صحيح مسلم ح(247).
وكذلك فإن الله تعالى يصرفه عن الطاعة وعن الهداية يقول تعالى ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (الأعراف: من الآية 146).
فالشخص المُعجب بنفسه قلما يرضخ للحق ويرضى به، وكثيرًا ما يزدري الآخرين ويستحقرهم ويُقلل من شأنهم يقول صلى الله عليه وسلم "الكبر بطر الحق وغمط الناس".
والكبر والعُجب بالنفس صفتان ذميمتان لا ينبغي لمسلم عادي، فضلاً عن داعية يحمل راية الدعوة أن يتصف بهما.
ولعل أخطر ما في الكبر والعُجب بالنفس من نتيجة هو إحساس صاحبه بالأولوية المطلقة للتصدر للمسئولية والقيادة والإلحاح في طلبها والحرص عليها، وقد يُبتلى الصف ببعض النماذج بدرجاتٍ متفاوتةٍ من تمكن المرض، فالبعض قد رأى في قدراته وإمكاناته، وبذله وتضحيته، ومواهبه، وعطاءاته للدعوة الأحقية في التصدر للقيادة وتحمل المسئولية والحرص عليها بل وطلبها في بعض الأحيان.
وهناك صنف قد اتخذ من اجتهاده في العبادة، وحرصه عليها، وتميزه بطاعاته واجتهاده فيها، بابًا للتعالي على من حوله فبدأ ينظر لهم من عليّ، ووضع نفسه في برجٍ عالٍ ينقُد من حوله ويتهمهم بالنفاق، وأنهم يقولون ما لا يفعلون، ويظن أنه هو الصواب دائمًا وأن غيره على خطأ، فلا يقبل النصح من الآخرين، أو التوجيه منهم.
الدعوة وعلة حب الظهور والعُجب بالنفس والكبر:
الحركة الإسلامية تعمل لله ومن أجل إقامة شرع الله، وتدعو إلى تعبيد الناس لله لا لغيره ولو كان الغير هو النفس وحبها ورؤية مكانتها، فلا يختلف اثنان على أن التجرد في الأعمال ونزع حظوظ النفس من النفس وجعل الأمر أوله ومنتهاه لله من أهم دلالات الإخلاص.
ومما لا شك فيه أيضًا أن الحركة الإسلامية دعوة ربانية قائمة على إنكار الذات، فهي من الله وبالله وإلى الله، وهي في طريقها نحو الوصول إلى أهدافها لا بد وأن يكون على مراد الله، وفق شريعة الله، ووفق ما يحب الله.
من هنا فإننا إذا أردنا الوصول إلى أهدافنا وإلى الله (فالله غايتنا) لا بد وأن نخلع من كل تصرفاتنا ومناهجنا ووسائلنا كل ما من شأنه أن يكون منافيًا لإخلاص العمل لله، حتى وإن كان فيه مصلحة قريبة للدعوة.
وما من شكٍ في أنَّ مَن طلبَ الإمارة أو سعى إليها، أو حرص عليها أو استشرفها فيه شبهة رياء وإعجاب بالنفس وبالقدرات، مما يجعل العمل مُعرضًا لمحو البركة منه وفي نتائجه من الله تعالى، بالإضافةِ إلى خطورته على الفرد- وهذا أهم نقطة يجب الانتباه إليها- وخطورة ذلك على الحركة الإسلامية من جهةٍ أخرى.
والحركة الإسلامية غير الممكنة والتي يتربص بها أعداؤها لا تتحمل المخاطرة بنتائج الدفع بأشخاصٍ غير مؤهلين تربويًّا لمواقع المسئولية والقيادة، وإذا تمَّ ذلك فإن العواقب تكون غير مأمونةٍ دائمًا.
كيف نتعامل مع المُعجبين بأنفسهم
أخطر ما يُفضي إليه العُجب بالنفس الكِبْر، ومن ثَمَّ التعال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |